- شاعر
- الشعراء
- 1888–1935
- 207 حكمة
الصورة: S.A. e Maria José de Lencastre — Public domain
حكم فرناندو بيسوا
-
الانحطاط هو الفقدان التام للاوعي، وهو أساس الحياة نفسها. لو استطاع القلب أن يفكر، لتوقف عن النبض.
فرناندو بيسوا
-
نحن نعيش في الغالب خارج ذواتنا، والحياة نفسها تشتّتٌ متواصل. لكننا نميل نحو ذواتنا كما تميل الكواكب نحو مركز تدور حوله، راسمةً قطوعاً ناقصة عبثيةً وبعيدة.
-
أنا شيءٌ كنتُ عليه يوماً. لستُ أبداً حيث أشعر أنني هناك، وإن بحثتُ عن ذاتي، فلستُ أدري مَن الذي يبحث عنّي. مللي من كل شيء قد خدّرني. أشعر أنني منفيٌّ عن روحي.
-
كلُّ ما طلبتُه في الحياة تركتُه من أجل البحث عنه. أنا كمن يفتّش شاردًا عن شيءٍ لا يعرفه، وقد نسيه في حلمه حين بدأ البحث.
فرناندو بيسوا
-
لإضاعة الوقت جمالياتُه الخاصة.
-
الرجل الثالث الحارس: دعوها تتكلّم، لا تقاطعوها. إنها تعرف كلماتٍ علّمتها إياها حوريات البحر... إني أغفو لكي أسمعها... تابعي يا أختاه، تابعي... يوجعني قلبي لأنني لم أكن أنتِ حين كنتِ تحلمين على شاطئ البحر.
-
أشعر بروابط أوثق وصلات أحمّ مع شخصيات بعينها في الكتب، ومع صور رأيتها في النقوش، مما أشعر به تجاه كثير من الناس المفترضين واقعيين، أولئك الذين يحملون ذلك العبث الميتافيزيقي المسمّى «اللحم والدم». بل إن «اللحم والدم» يصفهم أصدق وصف: إنهم يشبهون قطع اللحم المعروضة على رخام الجزار، كائنات ميتة تنزف وكأنها ما زالت حيّة.
-
نبيلٌ أن تكون خجولًا، وجليلٌ ألّا تُحسن التصرّف، وعظيمٌ ألّا تملك موهبة الحياة.
-
أنا لا أؤمن بالمنظر الطبيعي.
فرناندو بيسوا
-
مشكلتنا ليست أننا فرديّون، بل أن فرديّتنا ساكنة لا متحرّكة. نُعلي شأن ما نفكّر فيه لا ما نفعله. ننسى أننا لم نفعل ولم نكن ما فكّرنا فيه؛ وأن أولى وظائف الحياة هي الفعل، كما أن أولى خصائص الأشياء هي الحركة.
-
الإنسانيّةُ فظّة.
-
ليس ثمة مقياسٌ يُعتمد عليه للتمييز بين الإنسان والحيوان.
-
أكتب بحزن في غرفتي الهادئة، وحيداً كما كنتُ دائماً، وحيداً كما سأظل أبداً. وأتساءل: أفلا يكون صوتي، على ما يبدو من تفاهته، مجسّداً لجوهر أصوات الآلاف، ولهفة آلاف الأرواح إلى التعبير عن ذاتها، وصبر الملايين من النفوس التي استسلمت، مثلي، لقدرها اليومي، ولأحلامها العقيمة، وآمالها الميؤوس منها.
-
لا تقرأ كتابًا حتى نهايته، ولا حتى بالترتيب دون أن تتخطّى صفحاته.
-
إن لم تمنحنا الحياةُ سوى زنزانةٍ، فلنزيّنها بما استطعنا: بظلال أحلامنا، وبأنماطها الملوّنة التي تنقش نسياننا على السطح الساكن للجدران.
-
كلُّ هذا يمضي، ولا شيء منه يعني لي شيئًا. كلُّه غريبٌ عن قدري، بل وعن القدر في مجمله. إنه مجرّد لاوعي، وصيحاتُ احتجاجٍ حين يرمي الحظُّ بالحجارة، وأصداءُ أصواتٍ مجهولة، خليطٌ جماعيٌّ مبعثرٌ من الحياة.
-
الحنين! أشعر به حتى نحو من لا يعني لي شيئًا، قلقًا على انقضاء الزمن ومن مرضٍ يولده سرّ الحياة. فإن اختفى أحد الوجوه التي أمرّ بها يوميًا في الشوارع حزنتُ، مع أنها لم تكن تعني لي شيئًا، سوى أنها رمز للحياة كلها.
-
أراكَ من جديد، لكنّي لا أرى نفسي! لقد تحطّمت المرآة السحرية التي كنتُ أرى فيها ذاتي، ولم أعد أرى في كل شظيّة قاتلة منها سوى جزءٍ منّي، وجزءٍ منكَ أنتَ! لا شيء سوى جزءٍ منّا نحن الاثنين!
فرناندو بيسوا
-
أسوأ ما في الأحلام أن الجميع يراها.
-
وأنا أمشي، أنسج جملًا كاملة لا أتذكّرها حين أعود إلى البيت. ولستُ أدري إن كان شعر تلك الجمل الذي لا يُوصف يعود إلى ما كانته، أم إلى أنها لم تُكتب قط.
-
…الحدّة المؤلمة لأحاسيسي، حتى حين تكون سعيدة؛ والحدّة المبهجة لأحاسيسي، حتى حين تكون حزينة.
-
لكنّني لستُ كاملاً في طريقتي في قول الأشياء، لأنني أفتقر إلى البساطة الإلهية في أن أكون ما أبدو عليه، لا أكثر.
-
أمشي في شارعٍ فأرى في وجوه المارّة لا التعبير الذي عليه حقًّا، بل التعبير الذي كانوا سيبدونه لي لو عرفوا سيرة حياتي وحالي، لو كنتُ أحمل على ملامحي وإيماءاتي، شفّافةً، شذوذَ روحي الخجول المثير للسخرية.
-
فالعطيّة، في الحقيقة، تتوقف دائمًا على الشخص أو الشيء الذي تُمنح له. حادثٌ عابر في الشارع يجلب الطباخ إلى الباب ويسلّيه أكثر مما تسليني تأمّلُ الفكرة الأصيلة، أو قراءةُ أعظم الكتب، أو أعذبُ الأحلام العقيمة. فإن كانت الحياة في جوهرها رتابة، فهو قد نجا منها أكثر مني، وينجو منها بيسر أكبر مما أنجو أنا. ليست الحقيقة معه ولا معي، لأنها ليست مع أحد، لكنّ السعادة من نصيبه.
-
حين أكون وحدي أستطيع أن أفكر في شتى الملاحظات الذكية، والردود السريعة على ما لم يقله أحد، ولمحات من الظرف الاجتماعي مع لا أحد. لكن كل ذلك يتلاشى حين أواجه إنساناً بلحمه ودمه: أفقد ذكائي، ولا أعود قادراً على الكلام، وبعد نصف ساعة لا أشعر إلا بالتعب. الحديث مع الناس يجعلني أشتهي النوم. ولا يكون حقيقياً وراسخاً إلا أصدقائي الأشباح والمتخيَّلون، وحواراتي في أحلامي وحدها.
-
وفيٌّ للكلمة التي قُطعت والفكرة التي حملتها.
-
وفيّ منهم آخرون. حتى حين أبتعد عنهم، أجد نفسي مضطرًا إلى العيش معهم. وحين أكون وحدي تمامًا، تحيط بي الجموع. ليس لي مفرٌّ أفرّ إليه، إلا أن أفرّ من نفسي.
فرناندو بيسوا
-
أن نقول! أن نعرف كيف نقول! أن نعرف كيف نوجد عبر الصوت المكتوب والصورة الفكرية! هذا كلّ ما يهمّ في الحياة، أمّا البقيّة فناسٌ ومحبّات متخيّلة وغرور مصطنع، ومكائد هضمنا ونسياننا، وناسٌ يتلوّون، كالدود حين يُرفع حجر، تحت الصخرة الهائلة المجرّدة لسماءٍ زرقاء لا معنى لها.
-
كنتُ شاعراً تحرّكه الفلسفة، لا فيلسوفاً أوتي ملكات الشعر.
-
التفكيرُ هدمٌ. فعملية التفكير ذاتها تدلّ على ذلك، لأن الفكرة نفسها تتفكك كلما فكّرنا فيها.
-
كلّ ما يقوله الإنسان أو يعبّر عنه هو حاشية على هامش نصٍّ محوٍ تمامًا. من مضمون الحاشية نستطيع أن نستخلص لبّ ما كان لا بدّ أن يكون في النص، لكن يبقى دائمًا شكٌّ، والمعاني المحتملة كثيرة.
-
لا أذهب أبدًا إلى حيث الخطر، فأنا أخاف من الأخطار حتى الملل.
-
أحيانًا أفكّر، بلذّةٍ حزينة، أنه إن بقيت هذه الجمل التي أكتبها يومًا ما، في مستقبلٍ لم أعد أنتمي إليه، مقرونةً بالثناء، فسأجد أخيرًا من يفهمونني، أهلي الحقيقيين، العائلة الحقّة التي كان ينبغي أن أولد فيها وأُحَبّ. لن أُفهم إلا في صورة تمثال، حين لا يعود الحبّ يردّ للميت ما بخلتُ به عليه وهو حيّ.
-
إن أراد الناس بعد موتي أن يكتبوا سيرتي، فالأمر أيسر ما يكون: يحتاجون تاريخين فقط، تاريخ ولادتي وتاريخ وفاتي. وما بين التاريخين، كل يوم هو لي.
-
طلبتُ من الحياة القليل، وحتى هذا القليل حُرمتُ منه.
-
لأنني لم أكتشف في نفسي صفاتٍ تجذب إنسانًا آخر، لم أستطع أن أصدّق أن أحدًا يُنجذب إليّ.
فرناندو بيسوا
-
الملكية ليست سرقة، بل لا شيء.
-
كل لذة رذيلة، فالسعي إلى اللذة هو ما يفعله الجميع في الحياة، والرذيلة المظلمة الوحيدة هي أن تفعل ما يفعله الجميع.
-
كلُّ إيماءةٍ فعلٌ ثوريّ.
-
وغدًا سأكون أنا أيضًا – هذه الروح الشاعرة المفكّرة، هذا الكون الذي أنا عند نفسي – نعم، غدًا سأكون أنا أيضًا من لم يعد يمشي في هذه الشوارع، شخصًا يستحضره الآخرون بعبارة غامضة: «أتساءل ماذا جرى له؟». وكلّ ما أفعله، وكلّ ما أشعر به، وكلّ ما أختبره، لن يكون سوى مارّة واحد أقلّ في شوارع مدينة ما اليومية.
-
يتصاعد الصمت من صوت المطر، ويمتد في تدرّج متصاعد من رماديةٍ رتيبة فوق الشارع الضيق الذي أتأمله. أنا نائم وأنا مستيقظ، واقفٌ عند النافذة، أستند إليها كما أستند إلى كل شيء. أبحث في داخلي عن الأحاسيس التي أشعر بها أمام هذه الخيوط المتساقطة من ماءٍ مضيءٍ قاتم، تبرز من واجهات المباني الكالحة، وخاصةً من النوافذ المفتوحة. ولا أعرف ما أشعر به، ولا ما أريد أن أشعر به. لا أعرف ما أفكر فيه، ولا أين أنا.
-
الشاعر مدّعٍ. يدّعي بإتقانٍ تامّ، حتى إنّه يدّعي أنّ الألم هو الألم الذي يشعر به حقّاً.
-
عندي الآن من الأفكار الجوهرية ما يكفي، ومن الأشياء الميتافيزيقية حقاً ما أودّ قوله، حتى أشعر فجأة بالتعب، فأقرر ألّا أكتب بعد الآن ولا أفكّر بعد الآن، بل أترك حُمّى الكلام تُثقل جفني، وأغمض عيني كقطّة، وألعب بكل ما كان في وسعي أن أقوله.
-
لكنّ حزني مُعزٍّ، لأنّه صحيحٌ وطبيعيّ، ولأنّه ما ينبغي للروح أن تشعر به، حين تظنّ أنّها موجودة بالفعل، بينما تقطف اليدُ الأزهار، والروحُ لا تلتفت.
-
بعدما انقشعت الأمطار عن السماء واستقرت على الأرض، عادت إلى الحياة صفاءٌ أكبر، وحدها مع الزرقة فوقها، وجعلت العالم تحتها يبتهج بنضارة المطر الذي هطل للتو. تركت في نفوسنا سماءً، وفي قلوبنا نضارة.
فرناندو بيسوا
-
ما حدث لنا حدث لكلّ الناس، أو لنا وحدنا؛ فإن كان لكلّ الناس فلا جديد فيه، وإن كان لنا وحدنا فلن يفهمه أحد.
-
أبحث عن نفسي فلا أجد أحدًا. أنتمي إلى ساعة الأقحوان، إلى زهورٍ زاهية موضوعة في مزهريات طويلة. ينبغي أن أجعل من روحي زينةً.
-
ساعةُ البيت، الراسخةُ هناك في قاع الأشياء، تدقّ النصفَ جافةً فارغة. كلُّ شيءٍ كثيرٌ جداً، وكلُّ شيءٍ عميقٌ جداً، وكلُّ شيءٍ مظلمٌ باردٌ جداً!
-
ثمّة من يستغلهم حتى الله، وهم الأنبياء والقديسون في خواء العالم.
-
أن نُعطي أهميةً لما نفكر فيه لأننا فكّرنا فيه، وأن نتخذ من أنفسنا لا مقياساً لكل شيء فحسب، كما قال الفيلسوف اليوناني، بل معياراً ومِثالاً لكل شيء، فإننا نخلق في أنفسنا، إن لم يكن تفسيراً، فنقداً على الأقل للكون، الذي لا نعرفه أصلاً، ولذلك لا نستطيع نقده. ثم يرفع أكثرنا طيشاً وضعفاً هذا النقد إلى مرتبة التفسير، فيُسقطه على الواقع كالهلوسة؛ مستحثّاً لا مستنبَطاً. وهو هلوسة بالمعنى الدقيق، إذ هو وهمٌ قائم على شيء لا يُرى إلا رؤيةً باهتة.




