- كاتب
- الأدباء والكتّاب
- 1899–1986
- 223 حكمة
الصورة: Grete Stern — Public domain
حكم خورخي لويس بورخيس
-
كلُّ كاتبٍ يخلق سابقيه بنفسه. عملُه يُعدّل تصوّرنا للماضي، كما سيُعدّل المستقبل.
خورخي لويس بورخيس
-
مرّت أيامٌ ولياليَ على هذا اليأس الجسدي، حتى استيقظ ذات صباح، ونظر، بهدوءٍ هذه المرة، إلى الأشياء الضبابية المُلقاة حوله، فأحسّ، دون أن يعرف السبب، كما يُحسّ المرء حين يتعرّف على لحنٍ أو صوت، أنّ كل ذلك قد حدث له من قبل، وأنه واجهه بالخوف، لكن أيضًا بالفرح والأمل والفضول. ثم هبط إلى ذاكرته، التي بدت له بلا نهاية، واستطاع أن يستخرج من تلك الدوّامة الذكرى الضائعة، تلمع كقطعة نقود في المطر، ربما لأنه لم ينظر إليها حقًا قط، إلّا (ربما) في حلم.
-
أنا لا أكتب لأقلية مختارة، وهذا لا يعني لي شيئًا، ولا لذلك الكيان الأفلاطوني المعبود المسمّى «الجماهير». إني لا أؤمن بهاتين الفكرتين اللتين يحبهما الزعيم الشعبوي. أكتب لنفسي ولأصدقائي، وأكتب لأُخفّف عن نفسي مرور الوقت.
-
ننسى أنّنا جميعًا موتى نتحاور مع موتى.
خورخي لويس بورخيس
-
كنتُ دائماً أتصور الجنة، في شكلها وصورتها، مكتبةً.
-
الأدبُ لا ينفد، للسبب الكافي البسيط أن الكتابَ الواحد لا ينفد. فالكتابُ ليس كيانًا منعزلًا، بل هو سردٌ، ومحورٌ لسرودٍ لا تُحصى. والأدبُ يختلف عن غيره، قبله أو بعده، لا بقدر ما يختلف في نصّه، بقدر ما يختلف في طريقة قراءته.
-
الواقعُ يميل إلى التماثل.
-
تصنع ذاكرةُ الإنسان جنّتها الخاصة في داخله.
-
لا يوجد تمرين للعقل إلا وهو في نهاية المطاف عديم الجدوى. فالمذهب الفلسفي يبدأ وصفاً معقولاً للكون، ثم يصير مع مرور السنين مجرد فصل، إن لم يكن فقرة أو اسماً في تاريخ الفلسفة.
خورخي لويس بورخيس
-
ثم تأمّل في أن الواقع لا يطابق عادةً ما نتوقّعه؛ فاستنتج، بمنطق خاص به، أن توقّع تفصيلة من تفاصيل الحدث يمنع وقوعها. ومتّكلًا على هذا السحر الواهي، اخترع أفظع التفاصيل كي لا تقع.
-
ثم أتأمّل فأجد أن كل الأشياء تحدث، وتحدث لأحدنا تحديدًا، في هذه اللحظة بالذات. يتعاقب القرن تلو القرن، ولا تحدث الأشياء إلا في الحاضر. هناك عدد لا يُحصى من البشر في الهواء وعلى البرّ وفي البحر، وكل ما يحدث حقًا إنما يحدث لي أنا.
-
كثيرٌ من الشخصيات حمقى، وهم دائمًا يخدعونني ويعاملونني معاملةً سيئة.
-
من يقتني موسوعة لا يقتني بذلك كل سطر وكل فقرة وكل صفحة وكل صورة فيها، بل يقتني إمكانية أن يألف هذا الشيء أو ذاك منها.
-
بوجه عام، لكلّ بلدٍ اللغةُ التي يستحقّها.
-
لستَ بحاجة إلى أن تحاول أن تكون معاصرًا، فأنت معاصر أصلًا. ما نملكه من الأساطير يتطور دومًا. أما أنا شخصيًا، فأظن أن الأساطير الإغريقية والنوردية القديمة تكفيني. فلا أرى أنني بحاجة إلى الطائرات أو السكك الحديدية أو السيارات.
-
في كلّ قصّةٍ خيالية، حين يقف الإنسان أمام خياراتٍ متعددة، فإنه يختار واحدًا على حساب البقية.
-
ينبغي لكل إنسان أن يكون قادراً على استيعاب كل الأفكار.
-
ينبغي للكاتب أن يعيش حياةً أخرى ليرى إن كان يُقدَّر.
خورخي لويس بورخيس
-
أكاد أتيقّن من أن الموت سيمحوني، لكنني أحيانًا أظنّ أنه ليس مستحيلًا أن أواصل العيش على نحوٍ آخر بعد فناء جسدي. أو كما يتساءل هاملت: أيّ أحلام ستأتي حين نغادر هذا الجسد؟
-
رأيتُ في كيريتارو غروبًا للشمس بدا كأنه يعكس لون وردةٍ في البنغال.
-
على الكاتب، وأظنّ على الناس جميعًا، أن يرى في كل ما يحدث له مادةً يُستفاد منها. لقد وُهبت لنا الأشياء كلها لغايةٍ ما، والفنان أحرى بأن يشعر بذلك بقوة. فكل ما يصيبنا، من مذلّاتنا ونكباتنا وإحراجاتنا، يُمنح لنا مادةً خامًا، كالطين، لنصوغ منه فنّنا.
-
ما وجدتُ نفسي حيًّا إلّا بعد أن أقبلتُ على الكتب.
-
تنسج الآلهة للبشر المصائب، كي يكون لأجيال الغد ما يُغنّونه. ويكرّر مالارميه، بأقل جمالًا، ما قاله هوميروس: «تنتهي كل الأشياء في كتاب». يتحدث الإغريق عن أجيال ستغنّي، ويتحدث مالارميه عن شيء، عن موضوع بين الأشياء، هو الكتاب. لكن الفكرة واحدة: أننا خُلقنا للفن، خُلقنا للذاكرة، خُلقنا للشعر، أو ربما خُلقنا للنسيان. لكن يبقى شيء، وهذا الشيء هو التاريخ أو الشعر، وهما في جوهرهما ليسا مختلفين.
-
أعترف أنني لم أشقّ طريقي عبر الصفحات السبعمائة كلها، وأعترف أنني لم أتصفّح إلا أجزاءً متفرقة منه، ومع ذلك أعرف ما هو، بذلك اليقين الجريء المشروع الذي نؤكد به معرفتنا بمدينة ما، دون أن ننال يوماً ألفة جميع شوارعها الكثيرة.
-
قد تنال ما تشتهيه نفسك، لكنّ الموتَ يسلبك إياه في النهاية.
-
الأمران المهمّان اللذان ينبغي أن أذكرهما هما العاطفة، ثم الكلمات المنبثقة عن هذه العاطفة. لا أظن أنّ المرء يستطيع أن يكتب بلا عاطفة؛ فإن حاول ذلك جاء كلامه مصطنعًا، ولا أحبّ هذا النوع من الكتابة. وأرى أنّ القصيدة إن بلغت حدّ العظمة، فينبغي أن تتصوّرها كأنها كتبت نفسها بنفسها رغم الشاعر، وأن تتدفّق في سلاسة.
-
الواقعُ مولعٌ بالتناظر وبالمفارقات الزمنية الطفيفة.
خورخي لويس بورخيس
-
لقد مُنح وقتُ عملك.
-
الفنّ غامض جدًا. أتساءل: هل يمكن حقًا أن نُلحق بالفنّ أذًى؟ أظنّ أنّه حين نكتب، ينفذ إلينا شيء ما، أو ينبغي أن ينفذ، رغم نظرياتنا. لذلك فالنظريات ليست مهمّة حقًا.
-
البحرُ لغةٌ اصطلاحية لا أستطيع فكّ رموزها.
-
أن تودّع يعني أن تُنكر الفراق؛ هو أن تقول: اليوم نلعب لعبة الذهاب في طريقنا المنفصل، لكننا سنلتقي غداً. اخترع البشر الوداع لأنهم عرفوا بطريقة ما أنهم خالدون، حتى وهم يرون أنفسهم عرضيّين وزائلين.
-
قد أقبل الخلود إن كان لا بدّ منه، لكنّي أفضّل، إن كان ثمّة حياة بعد الموت، ألّا أعرف شيئًا البتّة عن بورخيس، ولا عن تجاربه في هذا العالم.
-
كنتُ أظنّ أنّ الإنسان قد يعادي غيره من الناس، ولحظات غيره من الناس، لكنه لا يعادي وطنًا: لا اليراعَ، ولا الكلمات، ولا الحدائق، ولا جداول الماء، ولا الغروب.
-
الحقيقة أننا نعيش حياتنا نؤجّل كلّ ما يمكن تأجيله، ولعلّنا جميعًا نعرف في أعماقنا أننا خالدون، وأنّ جميع البشر سيفعلون كلّ شيء ويعرفون كلّ شيء، عاجلًا أو آجلًا.
-
أعرف منطقةً نائيةً، يرفض أمناؤها مكتباتها تلك العادة الخرافية الباطلة، أي البحث عن معنى في الكتب، ويُشبّهونها بالبحث عن المعنى في الأحلام أو في الخطوط المتشابكة على الكف... ويقرّون بأن مخترعي الكتابة قلّدوا الرموز الطبيعية الخمسة والعشرين، لكنهم يزعمون أن هذا الاستعمال عرضيّ، وأن الكتب في ذاتها لا تعني شيئًا. وسنرى لاحقًا أن هذا الرأي ليس باطلًا تمامًا.
-
أحسب نفسي إنسانًا أخلاقيًا، لكنني لا أحاول أن أعلّم الأخلاق. ليست لديّ رسالة. لا أعرف الكثير عن الحياة المعاصرة، ولا أقرأ الصحف. أكره السياسة والسياسيين، ولا أنتمي إلى أي حزب البتة. حياتي الخاصة تظل خاصة. وأحاول أن أتجنب التصوير والشهرة.
خورخي لويس بورخيس
-
في تلك الصفحات النائية [من «موسوعة صينية معيّنة»] مكتوبٌ أنّ الحيوانات تنقسم إلى: (أ) ما يملكه الإمبراطور، (ب) المحنّطة، (ج) المدرّبة، (د) الخنازير الرضيعة، (هـ) حوريات البحر، (و) الخرافية، (ز) الكلاب الضالّة، (ح) المندرجة في هذا التصنيف، (ط) المرتعشة كأنّها مجنونة، (ي) التي لا تُحصى، (ك) المرسومة بفرشاة شعر جمل دقيقة جدًّا، (ل) الأخرى، (م) التي كسرت للتوّ مزهرية، (ن) التي تشبه الذباب من بعيد.
-
أسأل أيّ إله، أو أيّ آلهة، إن منحوني الخلود، أن يمنحوني النسيان أيضًا.
-
ما يريد الكاتب أن يفعله ليس ما يفعله.
-
رجلٌ يضع نصب عينيه مهمّة رسم العالم. وقبل موته بقليل يكتشف أنّ هذه الشبكة الصبورة من الخطوط ما هي إلا رسمٌ لوجهه هو.
-
البدع التي ينبغي أن نخشاها هي تلك التي يمكن أن تُخلط بالأرثوذكسية.
-
كان أبي وهو قد نسجا صداقة إنجليزية متحفظة، تبدأ بتجنّب الألفة وتنتهي بأن تُلغي الكلام تمامًا.
-
حين أشعر أني سأكتب شيئًا، أصمت وأحاول أن أصغي. ثم يأتي شيء ما. وأفعل ما بوسعي كي لا أعبث به.
-
أظنّ أنّ الهوية تقوم على الذاكرة. فإن مُحيت ذاكرتي، أتساءل: هل أنا موجود؟ أعني: هل أنا الشخص نفسه؟ وبالطبع، لستُ مضطرًا إلى حلّ هذه المسألة، فذلك أمر يعود إلى الله، إن كان ثمّة إله.
-
أرى نفسي قبل كل شيء قارئاً، ثم كاتباً، لكنّ ذلك أمرٌ ثانوي إلى حدٍّ ما. أظنّ أنني قارئ جيد، وقارئ جيد بلغاتٍ كثيرة، ولا سيما بالإنجليزية، إذ جاءني الشعر عبر الإنجليزية؛ في البداية من خلال حبّ أبي لسوينبرن وتنيسون، وكذلك كيتس وشيلي وغيرهم، لا عبر لغتي الأم، ولا عبر الإسبانية. جاءني كنوعٍ من السحر. لم أكن أفهمه، لكنني شعرت به.
خورخي لويس بورخيس
-
أما أنا فقارئ لذّيّ؛ لم أقرأ كتابًا قطّ لأنه قديم. أقرأ الكتب من أجل الانفعالات الجمالية التي تمنحني إياها، وأتجاهل الشروح والنقد.
-
في مفردات النقّاد لا غنى عن كلمة «السلف»، لكن ينبغي تطهيرها من كلّ دلالات الجدل والمنافسة. الحقيقة أنّ كلّ كاتب يخلق أسلافه بنفسه. فعمله يُعيد تشكيل تصوّرنا للماضي، كما سيُعيد تشكيل المستقبل.
-
نجهل معنى التنين بقدر ما نجهل معنى الكون.
-
كان محور حياتي الحقيقي هو وجود الكلمات، وإمكانية نسجها شعرًا.
-
أعرّف الباروك بأنه ذلك الأسلوب الذي يستنزف إمكاناته عمدًا (أو يسعى إلى استنزافها)، ويقترب من حدّ الكاريكاتير الذاتي. الباروك هو المرحلة الأخيرة في كل فن، حين يتباهى الفنّ بموارده ويبذّرها.




