- روائية
- الأدباء والكتّاب
- 1816–1855
- 237 حكمة
حكم شارلوت برونتي
-
لم تشعري بالغيرة قطّ، أليس كذلك يا آنسة آير؟ بالطبع لا، فلست بحاجة إلى أن أسألك؛ لأنك لم تعرفي الحب قط. لم تختبري هذين الشعورين بعد: روحك نائمة، والصدمة التي ستوقظها لم تأتِ بعد.
-
أيّ وهمٍ هذا الذي غلبني؟ وأيّ جنونٍ عذبٍ أصابني؟
-
لكنّ الوحدة حزن. — نعم، إنها حزن. غير أنّ في الحياة ما هو أقسى من ذلك. أعمق من الكآبة يقبع الانكسار.
-
لستُ ملاكًا»، قلتُ بثبات، «ولن أكون واحدًا حتى أموت؛ سأكون نفسي. سيدي روتشестر، لا تتوقّع منّي شيئًا سماويًّا ولا تطالبني به، فلن تحصل عليه، كما لن أحصل عليه منك، وهذا ما لا أتوقعه البتّة».
-
لكن ما أشدّ عنادًا من الشباب؟ وما أعمى من قلّة التجربة؟
-
من عيوبي أن لساني، وإن كان سريعاً أحياناً في الجواب، يخونني للأسف حين أحتاج إلى اختلاق عذر؛ ودائماً ما يقع هذا الخذلان في لحظةٍ حاسمة، حين أكون في أشدّ الحاجة إلى كلمةٍ لبقة أو حجّةٍ مقنعة تُخرجني من حرجٍ مؤلم.
-
لا فائدةَ من البكاء، وإن قُدّر لنا أن نفترق: ثمّةَ ما يُسمّى بالبقاء، أن يبقى ذكرٌ في القلب.
-
لم أكسر قلبك، بل أنت كسرته؛ وبكسرك له، كسرتَ قلبي.
-
إيمي لم تعد تعاني الألم ولا الوهن. لن تعاني بعد اليوم في هذا العالم. رحلت بعد صراعٍ قصيرٍ قاسٍ… نعم، لا وجود لإيمي في الزمن ولا على الأرض الآن. بالأمس واريناها بهدوء، جسدها الضعيف المُنهك، تحت بلاط المذبح. نحن هادئون جدًا الآن، ولمَ لا نكون كذلك؟ فقد انقضت مرارة رؤيتها تتألم، وانتهى مشهد آلام الموت، ومضى يوم الجنازة. نشعر أنها في سلام. لا داعي الآن للقلق من الصقيع القارس والريح الجارحة. إيمي لا تشعر بها.
-
أن ترى الأسوأ وتعرفه، فذلك يسلب الخوف أقوى ما يملك.
-
قد تُنقل من المودّة في كلمةٍ صادقة واحدة ما يُنقل في كلمات كثيرة.
-
جاء صقيعُ الميلاد في منتصف الصيف؛ وعاصفةُ ديسمبر البيضاء دارت فوق يونيو؛ الجليدُ يكسو التفاح الناضج، والأكوامُ الثلجية تسحق الورد المتطاير؛ وعلى حقل التبن والحقل المزروع ألقى كفنٌ متجمّد؛ الأزقّة التي كانت بالأمس تتورّد بالزهور، صارت اليوم بلا طريق، مغطاة بثلجٍ لم تطأه قدم؛ والغابات التي كانت قبل اثنتي عشرة ساعة تتمايل خضراء عطرة كبساتين المناطق الاستوائية، صارت الآن قاحلةً موحشة بيضاء كغابات الصنوبر في نرويج الشتاء.
-
في العشّاق ضربٌ من الهوس الأناني؛ إذ يريدون شاهدًا على سعادتهم، مهما كلّف ذلك الشاهد.
-
ماتت آمالي جميعًا، ضربها قدرٌ خفيّ كالذي حلّ في ليلة واحدة بكل أبكار أرض مصر. نظرتُ إلى أمانيّ العزيزة، التي كانت بالأمس نضرةً متوهجة، فإذا بها جثث شاحبة باردة، شاحبة الزرقة، لا تعود إلى الحياة أبدًا.
-
لم يبقَ فيّ الكثير. لا بدّ أن أملكك. فليضحك العالم، وليصفني بالسخافة والأنانية، فذلك لا يعني شيئاً. روحي نفسها تطلبك، فإمّا أن تنال مرادها، وإمّا أن تنتقم انتقاماً مميتاً من جسدها.
-
أستطيع أن أفرّق بوضوح بين المجرم وجريمته؛ فأغفر للأول بصدق، وأمقت الثانية.
-
لستُ عندك رجلًا ولا امرأة، إنما أمثُل أمامك بوصفي مؤلفةً وحسب. وهذا هو المعيار الوحيد الذي يحق لك به أن تحكم عليّ، والأساس الوحيد الذي أقبل به حكمك.
-
أحببت أن يُنطق اسمي بشفتيك بنبرة ممتنّة سعيدة.
-
أصحاب المواهب يعرفون في الغالب تمام المعرفة ما فيهم من امتياز.
-
اللباقة، إن كانت صادقة، لا تنام أبدًا.
-
أنتِ تعرفين تمام المعرفة، كما أعرف، قيمةَ مودّة الأخوات؛ فليس في هذه الدنيا ما يضاهيها.
-
سيد روتشستر، إن كنتُ قد فعلتُ يوماً عملاً صالحاً في حياتي، أو خطر لي فكرٌ حسن، أو تضرعتُ إلى الله صلاةً خالصة لا عيب فيها، أو تمنيتُ أمنيةً عادلة، فقد نلتُ جزاءها الآن. إنّ أن أكون زوجتك هو أن أبلغ على الأرض أقصى ما يمكن أن أسعد به.
-
إن كانت هناك كلماتٌ وإساءاتٌ كالسكاكين، تترك جروحاً عميقة لا تلتئم أبداً، وأذىً قاطعاً مسنّناً يقطر سماً، فإن هناك أيضاً عزاءاتٍ في النبرة أرقّ من أن تلتقطها الأذن، لكنها تحتفظ بصداها بمودّةٍ إلى الأبد: لطفٌ يُربِّت، يُحبّ ويُستعاد على امتداد العمر كله، يُتذكَّر بحنانٍ لم يبهت، ويُجيب النداء بضياءٍ لم يخفت، من تلك السحابة الغرابيّة التي تُنذر بالموت نفسه.
-
تمنّيتُ لو أنّ النقّاد يحكمون عليّ ككاتب، لا ككاتبة.
-
كلُّ ذرّةٍ من جسدك عزيزةٌ عليّ كعزّة ذرّاتي أنا؛ ففي الألم والمرض ستظلّ عزيزةً عليّ.
-
قلبي كلُّه لك يا سيدي، هو ملكٌ لك؛ وسيبقى معك، لو نفاني القدرُ عن حضورك إلى الأبد.
-
أردتُ الحرية؛ من أجلها التقطتُ أنفاسي، ومن أجلها تضرّعتُ؛ بدت كأنها تتبعثر مع الريح التي كانت تهبّ خافتةً حينها.
-
أؤمن بعقيدةٍ أخرى لم يعلّمني إياها أحد، وأنا نادراً ما أذكرها، لكنني أبتهج بها وأتمسّك بها، لأنها تمنح الأمل للجميع؛ وتجعل الأبدية راحةً، وموطناً عظيماً، لا فزعاً وهوّةً. وفوق ذلك، فبهذه العقيدة أستطيع أن أميّز بوضوح بين المجرم وجريمته؛ أستطيع أن أغفر للأول بصدق بينما أمقت الثانية؛ وبهذه العقيدة لا يُقلقني الانتقام، ولا يُنفّرني الانحطاط إلى حدٍّ عميق، ولا يسحقني الظلم إلى الحضيض. أعيش في سكينة، ناظرةً إلى المنتهى.
-
لستُ مخادعةً؛ فلو كنتُ كذلك لقلتُ إنني أحبّك، لكنني أعلن أنني لا أحبّك. إنني أكرهك أكثر من أي إنسانٍ في العالم.
-
لستُ طائرًا، ولا شبكةٌ تصطادني.
-
أفضّل الفظاظة كثيرًا على الملق.
-
كنتُ أتمنّى رؤية السيد روتشستر وأخشاها في اليوم الذي تلا هذه الليلة الساهدة. أردتُ أن أسمع صوته مجدّدًا، لكنّي خشيتُ أن ألتقي عينيه.
-
جلستُ أحاول أن أستريح، فلم أستطع؛ فمع أنني كنت على قدميّ طوال النهار، لم أستطع الآن أن أهدأ لحظة، فقد كنت شديدة الانفعال. كانت مرحلة من حياتي تُطوى الليلة، وأخرى تُفتح غدًا، ومن المستحيل أن أنام في هذه الفترة الفاصلة؛ عليّ أن أظل ساهرة في قلق بينما يتم التحول.
-
ومن العبث أن يُقال إنّ على البشر أن يرضَوا بالسكينة؛ فهم محتاجون إلى الفعل، وسيصنعونه إن لم يجدوه.
-
لم أكن قد رأيتُ «كبرياء وتحامل» حتى قرأتُ تلك الجملة لكِ، فاشتريت الكتاب. وماذا وجدتُ؟ صورةً دقيقة كالداغيروتايب لوجهٍ مألوف، وحديقةً محكمة السياج مُشذَّبة الحواف بعناية، بزهورٍ رقيقة؛ لكن لا بريقَ لوجهٍ حيٍّ زاهٍ، ولا فضاءَ مفتوحًا، ولا هواءً نقيًّا، ولا تلّةً زرقاء، ولا جدولًا بهيًّا. ما كنتُ لأطيق العيش مع سيداتها وسادتها في بيوتهم الأنيقة لكنها ضيّقة.
-
ما تنفّس إنسانٌ قطّ أحمقَ أكبر من جين آير، ولا غرق أبلهُ أشدّ منها في الأكاذيب الحلوة، فابتلعت السمّ كأنه رحيق.
-
ليس ما أخشاه أكثر من الكسل، وفقدان الشغل، والخمول، وجمود الملكات؛ فحين يتعطّل الجسد يعاني الروحُ عذابًا مؤلمًا.
-
جين، اهدئي، ولا تتخبّطي هكذا كطائرٍ بريّ مذعور يمزّق ريشه بيأسه». «أنا لستُ طائرًا، ولا شبكة تطوّقني؛ أنا كائن بشري حرّ، له إرادته المستقلة، وسأمارسها الآن لأرحل عنك».
-
لا تظنّي أنه لأننا وُلدنا من الأبوين نفسيهما سأسمح لك بأن تقيّدني بأضعف الروابط: أقول لك هذا، لو أن البشرية كلها، عدا نفسينا، جرفها الطوفان، ووقفنا نحن الاثنان وحدنا على الأرض، لتركتُك في العالم القديم وشققتُ طريقي إلى عالمٍ جديد.
-
لكنني أعرف هذا: إن الكاتب الذي يملك الموهبة الإبداعية يمتلك شيئاً لا يكون دائماً سيّداً عليه، شيئاً يريد أحياناً، على نحوٍ غريب، ويعمل لذاته. قد يضع القواعد ويبتكر المبادئ، ولعلّه يبقى لها خاضعاً سنين، ثم يأتي حينٌ، دون إنذارٍ بثورة، لا يعود فيه يرضى.
-
إن كانت ثمة فكرةٌ أمقتها أكثر من غيرها، فهي فكرة الزواج، أعني الزواج بمعناه المبتذل الضعيف، بوصفه مجرّد مسألة عاطفة.
-
لم يكن في ذلك المكان سحر التنوّع ولا إثارة الأحداث، لكنني أحببتُ السكينة كثيراً، ولم أكن أطلب المُنبِّه إلا قليلاً، حتى إنني حين جاء، شعرتُ به تقريباً اضطراباً، وتمنّيتُ لو أنه ظلّ بعيداً.
-
إنّ بعض أفضل الناس الذين عاشوا كانوا فقراء مثلي، وإذا كنتَ مسيحيًا فعليك ألّا تعدّ الفقر جريمة.
-
أليست التجربة الواقعية لكلّ فرد محدودةً جدًّا؟ فإن أقام الكاتب عليها وحدها أو في الغالب، أفلا يكون في خطر تكرار نفسه، وفي خطر أن يصير أنانيًّا؟ ثم إنّ الخيال ملكةٌ قويّة مضطربة، تطالب بأن تُسمع وأن تُمارَس؛ أفنصمّ آذاننا تمامًا عن نداءها، ونتبلّد عن معاناتها؟ حين تُرينا صورًا زاهية، أفلا ننظر إليها أبدًا ونحاول استنساخها؟ وحين تتكلّم بفصاحة، وتهمس في آذاننا بسرعةٍ وإلحاح، أفلا نكتب ما تمليه علينا؟
-
آه يا سيدتي، حين تضعين الخبز والجبن بدل عصيدة الشوفان المحروقة في أفواه هؤلاء الأطفال، فأنتِ بذلك تُطعمين أجسادهم الفانية، لكنكِ لا تتصوّرين أنكِ بذلك تُجيعين أرواحهم الخالدة!
-
ينتظر الله فقط أن تنفصل الروح عن الجسد، ليتوّجنا بالجزاء الكامل. فلماذا نغرق يومًا في الكرب والهمّ، والحياة إلى زوال سريع، والموت بابٌ مؤكّد إلى السعادة، إلى المجد؟
-
ما كان لك حقٌّ في أن تُولد، فأنت لا تُحسن استعمال الحياة. فبدلاً من أن تعيش من أجل ذاتك وفيها ومعها، كما ينبغي لكائن عاقل، لا تسعى إلا إلى أن تُلصق ضعفك بقوّة شخص آخر.
-
الحدوس الداخلية أمورٌ غريبة، والتعاطفات كذلك، والإشارات كذلك؛ وإذا اجتمعت الثلاثة صنعت لغزًا واحدًا لم يهتدِ البشر بعدُ إلى مفتاحه.
-
يستطيع الأطفال أن يشعروا، لكنهم لا يستطيعون تحليل مشاعرهم؛ وإن جرى شيء من التحليل في خواطرهم، لم يعرفوا كيف يعبّرون عن نتيجته بالكلمات.
-
وسط همّ مناجاةٍ يلوم فيها نفسه، بدا وقاره جادًّا، بل ربما باردًا، في عينيّ وعيني أمّه. ومع ذلك لم يكن في ملامحه أيُّ سوء نيّة، ولا حقد، ولا ضغينة، ولا ضعة، بل كانت وسيمة بأجمل ما في الرجل من وسامة، حتى في انكسارها. وحين وضعتُ كرسيّه إلى المائدة، مسرعةً لأسبق الخادم، وحين ناولته الشاي بيد ترتجف حرصًا، قال: «شكرًا لكِ يا لوسي»، بنبرة لطيفة كما عهدتها أذني دافئةً مليئةً بصوته الممتع.


